الشيخ محمد هادي معرفة

496

التفسير الأثرى الجامع

يصحّ لديهم شيء من أسانيدها بتاتا ، ولأنّ كتاب اللّه العزيز الحميد أعزّ شأنا وأعظم جانبا من أن يحتمل التحريف ! هذا مضافا إلى أنّ توجيه الغلط غلط آخر بل أفحش ، الأمر الذي ارتكبه القوم مع الأسف ! هذا الإمام المحقّق الأصولي محمّد بن أحمد السرخسي ، بينما ينكر أشدّ الإنكار مسألة وقوع النسخ بعد وفاة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كما عرفت - تراه يعترف بمسألة نسخ التلاوة دون الحكم ، ويؤوّلها إلى إمكان سبق النسخ على الوفاة مع خفائه على الصحابة الأوّلين ! قال : وأمّا نسخ التلاوة مع بقاء الحكم فبيانه - فيما قال علماؤنا - : إنّ صوم كفّارة اليمين ثلاثة أيّام متتابعة ، بقراءة ابن مسعود : « فصيام ثلاثة أيّام متتابعات » . وقد كانت هذه قراءة مشهورة إلى زمن أبي حنيفة . ولكن لم يوجد فيه النقل المتواتر الذي يثبت بمثله القرآن . وابن مسعود لا يشكّ في عدالته وإتقانه . فلا وجه لذلك إلّا أن نقول : كان ذلك ممّا يتلى في القرآن كما حفظه ابن مسعود ، ثمّ انتسخت تلاوته في حياة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بصرف اللّه القلوب عن حفظها إلّا قلب ابن مسعود ليكون الحكم باقيا بنقله ، فإنّ خبر الواحد موجب للعمل به ، وقراءته لا تكون دون روايته ، فكان بقاء هذا الحكم بعد نسخ التلاوة بهذا الطريق . « 1 » انظر إلى هذا التمحّل الباهت والتأويل الغريب : أوّلا : كلّ ما ذكره بهذا الصدد لا يعدو تخرّصا بالغيب من دون استناد إلى شاهد أو دليل قاطع ، ومن ثمّ فهي محاولة فاشلة تجاه أمر واقع - فيما حسبوا صحّته - الأمر الذي يشبه علاج القضيّة بعد وقوعها علاجا من غير جدوى . ثانيا : إذا كانت القراءة مشهورة إلى عهد متأخّر ، فهي كسائر القراءات المشهورة عن أصحابها تصبح حجّة - في مصطلحهم - ولا يجب ثبوتها بالتواتر عن الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كما أسلفنا : أنّ القراءات المعروفة ليست متواترة لا عن عهد الرسالة ولا عن أربابها أيضا . هذا مع كون القرآن بذاته متواترا وفق قراءة المشهور .

--> إليهم من القول بنقص الكتاب عمّا كان عليه في حياة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من قبيل آية الرجم وغيرها . فحاول إثبات أنّها من منسوخ التلاوة إن صحّت النسبة ، وإلّا فهو محال باطل . راجع « نكت الانتصار » له : 95 - 108 . ( 1 ) أصول السرخسي 2 : 80 .